سياسةفلسطين

زكريا الزبيدي، ما الذي لا يريد الفيس بوك نشره حوله؟

الإعلام الإسرائيلي يعترف ببطولة زكريا الزبيدي

القدس – بال بلس
“كنت قد كتبت منشوراً على حسابي في الفيس بوك كتبت فيه – أن زكريا الزبيدي ليس بطلا ً لأنه مقاتل؛ إنما لأنه صمد ونجا من الاحتلال، بعد أقل من ساعة تم إزالة المنشور، الشعور بالإهانة عند كثير من الإسرائيليين عندما يذكر الاحتلال هو ما يفسر ذلك”.

بقلم  “اورلي نوي” من موقع “سيحاه مكوميت” المعارض

بعد أقل من ساعة على  كتابة منشوري على حساب الفيس بوك الخاص والذي تطرق لشخصية زكريا الزبيدي بعد اعتقاله من قبل إسرائيل أبلغني الفيس بوك بأنه يتعارض مع الأعراف العامة للمجتمع وحظرني من النشر لمدة ثلاثة أيام .

لم أشعر بالمفاجأة من ذلك، افترضت أن الكثير من الإسرائيليين سيبلغون عن هذا البوست وستكون النتيجة إزالته، وذلك لأنني كنت مصر ولا زلت على اعتبار زكريا الزبيدي ورفاقه أبطالاً يقاتلون من أجل الحرية وليسوا إرهابيين، وأكثر من ذلك أصررت على استحضار السياق الذي تبلورت في ثناياه حياة زكريا الزبيدي المأساوية والبطولية .

اقرأ أيضأً: بالفيديو الاحتلال يصيب فلسطيني بجراح خطيرة ويمنع الإسعاف من معالجته

زكريا الزبيدي برواية إسرائيلية

هذا السياق جرى توثيقه في فيلم “جوليانو مير خميس” من العام 2003 “أولاد إرنا” الذي تطرق لأولاد “مسرح الحرية” التي كانت “إرنا مير خميس تديره” -والدة جوليانو- في مخيم جنين في سنوات التسعينات، يتتبع الفيلم قصة نشأة أعضاء المجموعة وكيف تحولوا من أطفال لا تفارقهم الابتسامة إلى مقاتلين أشداء لقي عدداً منهم حتفه، أحد هؤلاء الأولاد هو زكريا الزبيدي .

كتبت في  ذلك المنشور أن زكريا الزبيدي بطل -ليس فقط لأنه قاتل في سبيل حرية شعبه، إلا لأن كل فلسطيني صمد ونجا من الاحتلال وصمم على الحياة هو بطل، حتى من دون أن يقذف حجراً واحداً .

وأضفت إننا نحن الجمهور الإسرائيلي من يجب أن يقدم جرد حساب حول الأسباب التي أدت بهذا الطفل المبتسم -ذلك الذي ساهمت عائلته بالطابق الثاني من منزلها لبروفات مسرح الحرية، وهو الذي لقي والدته وشقيقه حتفهم على يد جيش الاحتلال الإسرائيلي- إلى حمل السلاح وخوض القتال.

طبعاً كان هذا توقعاً خاطئاً، ليس لأن الجمهور الإسرائيلي يرفض بشدة الاعتراف بسياق النضال الفلسطيني، بل إنه يصاب بالدهشة من مجرد ذكره.

اتسم رد فعل الجمهور الإسرائيلي بالصدمة منذ اللحظة التي علم فيها بهروب الأسرى: وكأن لسان حاله يقول لقد نجحوا بخداعنا أليس كذلك؟ علينا نحن الأقوياء والأذكياء والذين لا يمكن هزيمتهم؟

هذه الصدمة المصحوبة بشعور الإهانة تميز رد الفعل الإسرائيلي في كل مرة يسجل فيها الفلسطينيون نجاحاً موضعياً في مواجهة النظام الإسرائيلي وأجهزته القمعية المتطورة، القوية جداً والمسلحة كثيراً.

إلى هذا الحد يصدم الإسرائيليون من هذه النجاحات القليلة ويعتبروها تحطيماً لقواعد اللعبة.

يقول الإسرائيليين هذه ليست قواعد لعبة، قواعد اللعبة هي أننا محتلون، معتدون، نسرق الأرض، نطرد، نبعد، نعتقل، نسجن، نطلق النار ونقتلهم، وهم محتلون، منفيون، مبعدون، معتقلون وموتى. بأي حق يجرؤون على كسر المعادلة اليهودية والديمقراطية هذه؟

هذا هو الوعي الجمعي الإسرائيلي الذي لا يعترف بالحقيقة التي تقول بأن واحداً من كل خمس رجال فلسطينيين جرى اعتقاله في السجون الإسرائيلية فقط، وإنما يجد في هذا الرقم دليلاً على أن كل الفلسطينيين هم مخربين محتملين، وذلك ببساطة لأن إسرائيل تضعهم في المعتقلات بالجملة.

هذا هو عقل  ووعي دافيد مع جوليات الذي يصر على اعتبار نفسه الضحية حتى عندما يقوم بالدوس على الضعيف وعلى كل القوانين الدولية، على سبيل المثال حظر اعتقال سكان المناطق المحتلة خارج الأراضي المحتلة.

إن مجرد سَجن زكريا الزبيدي ورفاقه في سجن جلبوع  بحد ذاته هو انتهاك للقانون الدولي وجريمة حرب.

عندما تكون جوليات وتتمسك بأنك دافيد في وعيك الذاتي، لن تستطيع أن ترى بطولة هؤلاء الذين تدوسهم تحت رجليك، هؤلاء الذين خرجوا لقتالك بالمقلاع في مقابل القوة الهائلة التي تمتلكها، كما أنك لن تكون قادراً على إدراك الثمن الرهيب والفظيع الذي يدفعه هؤلاء على ذلك، كما حصل مع أولاد مسرح الحرية الذين دفعوا حياتهم ثمناً لنضالهم.

على سبيل المثال يوسف الذي وجد نفسه يحمل بين ذراعيه طفلة صغيرة ماتت في غضون دقائق بعد أن أصابت قذيفة دبابة إسرائيلية صفها الدراسي، وفقاً لشهادات رفاقه منذ ذلك الحادث تغير تماماً فقد توقف عن الابتسام والضحك وفقد على ما يبدو الاهتمام بالحياة، وبعد ذلك التحق بصفوف الجهاد الإسلامي على الرغم من أنه كان علمانياً تماماً، تلقى منهم السلاح وتوجه مع صديقه إلى الخضيرة وهناك فتحوا النار وقتلوا أربعة أشخاص وأصابوا ثلاثين بجروح، عناصر من الشرطة وصلوا إلى المكان وقاموا بقتل كليهما.

أو أشرف الفتى الجميل في الفيلم الذي كان ممثلاً رئيساً في مجموعة المسرح، هناك مشهد في الفيلم يظهر فيه أشرف وهو يحاول إخراج بعض الأغراض من بين أنقاض منزل علاء الذي دمره الجيش، يصف صديقه علاء في الفيلم كيف سقط أشرف عندما كان يقاتل قوات الاحتلال في معركة جنين في عام 2002، المبنى الذي استخدمه أعضاء المجموعة كمسرح استخدمه المسلحون موقعاً لإطلاق النار حيث قتل أشرف.

أو علاء نفسه الذي دمر الجيش منزله وهو طفل، في الفيلم هناك مقطع يظهر فيه علاء يتحدث فيه عن نفسه بأنه لن يتم اعتقاله وأنه سيكون إما حراً أو في القبر، في المشهد التالي تظهر جثة علاء المتفحمة في المستشفى محاطة بأصدقائه وأبناء عائلته بعد أن أطلق النار عليه من جيش الاحتلال في نوفمبر 2002 بعد أسبوعين على ولادة ابنه البكر.

وطبعاً زكريا الزبيدي نفسه، الذي يظهر في أحد المشاهد في الفيلم وهو يقول لرفاقه “لن أقوم بتسليم نفسي أبداً”، وبالفعل لم يقوم بتسليم نفسه، إنما اعتقل من قبل شرطة نظام بائس وجبان ولكنه مسلح حتى أسنانه والذي يسمي هذا الانتهاك السادي المستمر بأنه “ضرورة أمنية” وملاحقة مقاتلي الحرية بأنه “بطولة”.

الإعلام الإسرائيلي يعترف ببطولة زكريا الزبيدي

لذا نعم، يصاب الإسرائيليين بصدمة كبيرة عندما يرون الأشخاص المحتجزون داخل الجيتو يحاولون اختراقه ويعرضون حياتهم للخطر من أجل ذلك، وواحد من كل ألف من ضحاياهم ربما يقوم بقتل أحد حراسه.

وعلى هذا الأساس فإن الناس الذين قام هذا النظام باحتلالهم يقوم بوضعهم في سجن أصغر بكثير لسنوات طويلة، ويحاولون الهروب منه وواحد من كل عدة عشرات الآلاف ينجح، نعم ينجحون أيضاً أولئك الذين قاموا بتنفيذ أعمال عنيفة.

هنا توجد مفاجأة أخرى، نحن نعيش في واقع عنيف للغاية وعلى الرغم من وجود ذلك عند الطرفين لكن لا يوجد أي مقارنة فالعنف الذي يمارسه أحد الأطراف يهدف إلى القمع، ودوس الآخرين، نهب ممتلكاتهم وتكريس التفوق، عنف الطرف الآخر هو من أجل التحرير، حتى عندما يقومون بأعمال لا يجب أن يقوموا بها إلا أنها جزء من النضال من أجل الحرية.

في غضون أيام قليلة سيأتي “يوم الغفران”، في هذا اليوم، يجب أن نركع أمام ملايين الفلسطينيين الذين ظللنا ندوس عليهم منذ عقود، ونطلب الصفح العميق منهم، و”نتوب” ونكفر عن جرائمنا ضدهم، لكن هذا لن يحدث هذا العام أيضًا، في الدولة اليهودية، حلت العضلات اليهودية محل الأخلاق اليهودية منذ  73 عاما.

بقلم: أورلي نوي

ناشطة سياسية  كانت تعمل سابقاً في أُطر مثل “التحالف النسائي من أجل السلام”، و”القوس الديمقراطي الشرقي”، وهي الآن عضو في إدارة مؤسسة “بتسيليم” الحقوقية.

ترجمة: معاوية علي موسى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى